الشيخ محمد رشيد رضا

68

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

طابت الثمار والظلال ، وانا إليها أصعر ، فتجهز إليها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والمسلمون معه ، وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولا أقضي شيئا ، فأقول لنفسي أنا قادر على ذلك إن أردت ، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد فأصبح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم غاديا والمسلمون معه ، ولم أقض من جهازي شيئا ، وقلت الجهاز بعد يوم أو يومين ثم ألحقه ، فغدوت بعد ما فصلوا لأنجهز فرجعت ولم أقض من جهازي شيئا ، ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئا ، فلم يزل يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو ، فهممت ان أرتحل فأدركهم ، وليت أني فعلت ، ثم لم يقدر لي ذلك فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يحزنني اني لا أرى لي أسوة إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق ، أو رجلا ممن عذر اللّه « 1 » ولم يذكرني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتى بلغ تبوك فقال وهو جالس في القوم بتبوك « ما فعل كعب ابن مالك ؟ » فقال رجل من بني سلمة : يا رسول اللّه حبسه برداه والنظر في عطفيه . فقال له معاذ بن جبل ، بئسما قلت ، واللّه يا رسول اللّه ما علمنا عليه إلا خيرا ، فسكت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال كعب بن مالك : فلما بلغني أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد توجه قافلا من تبوك حضرني بني فطفقت أتذكر الكذب وأقول بماذا أخرج من سخطه غدا وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي ، فلما قيل إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد أظل قادما زاح عني الباطل حتى عرفت أني لم أنج منه بشيء أبدا ، فأجمعت صدقه ، وأصبح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قادما ، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع ركعتين ثم جلس للناس ، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون فطفقوا يعتذرون اليه ويحلفون له وكانوا بضعا وثمانين رجلا ، فقبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم منهم علانيتهم ، وبايعهم واستغفرلهم ، ووكل سرائرهم إلى اللّه ، حتى جئت فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب ثم قال لي « تعال » فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي « ما خلفك ؟ ألم تكن قد اشتريت ظهرك ؟ » فقلت يا رسول اللّه ، واللّه لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت اني سأخرج من سخطه بعذر ، لقد أعطيت جدلا ، ولكني واللّه لقد

--> ( 1 ) يعنى الضعفاء والمرضى والذين لا يجدون ما ينفقون